المهاجر : يونس زهران
إن المتأمل للخطاب الملكي و إفراده لفقرة كاملة للحديث عن الجالية المغربية المقيمة بالخارج و الإقرار بمعاناتها على جميع الأصعدة ، يخرج باستنتاج مفاده أن الوقفة الاحتجاجية التي نظمها مغاربة العالم بالرباط يوم 11 غشت و صل صداها إلى القصر الملكي ، و أن الملك شخصيا تفاعل معها بشكل إيجابي ، و هو ما بدا جليا في الخطاب الملكي بمناسبة ثورة الملك الشعب .
فخروج مغاربة العالم إلى الاحتجاج على مجلس الجالية ، يعطينا الانطباع أن هذا المجاس لا يقوم بالدور المنوط به ، و أن مصالح وزارة الخارجية و المغاربة المقيمين بالخارج لا ترفع تقارير حقيقية حول معاناة مغاربة المهجر ، و أن كل الوعود تذهب أدراج الرياح مادامت ليست لها تمثيلية داخل المؤسسات ، و لا يوجد من يوصل صوتها إلى مراكز القرار .
ولهذا فإن الوقفة سالفة الذكر أماطت اللثام عن الكثير من الأمور :
أولها ، أن المهاجرين المغاربة لا يعدون أن يكونوا مصدر عملة فقط ، و أن مشاركتهما في العملية السياسية أصبحت حبرا على ورق أو ضربا من الخيال مادامت الفصول 16 و 17 و 18 من الدستور بقيت معطلة .
ثانيها، البيروقراطية التي يتم التعامل بها مع مغاربة العالم الراغبين في الاستثمار ، و في بعض الأحيان سرقة أفكارهما الإبداعية و إنزال نفس المشاريع بأسماء جهات نافذة لها اليد الطولى لتنفيذ هذه المشاريع بتسهيلات لا يستفيد المهاجر المغربي بربعها .
ثالثها ، النظر بعين الريبة و الشك لمغاربة العالم الحاملين لجنسية بلدان المهجر ، بل و اضطهادهم في بعض الأحيان حتى يحسوا بالغربة داخل وطنهم ، فيصرفون النظر عن الاستثمار داخل وطنهم الأم لفقدانهم الثقة في المؤسسات و جدوى الاستثمار .
إن وضع العراقيل في وجه المهاجرين المغاربة و إبعادهم عن الاقتراب من المؤسسات كالبرلمان و مجلس المستشارين و باقي المؤسسات الدستورية له تفسير واحد ، و هو الخوف من توغلهم و نقل التجارب الديموقراطية الحقة التي تشبعوا بها و تمرسوا عليها في ديار المهجر ، و نقل تجاربهم العلمية و العملية الحقة التي يحتاجها المواطن المغربي .
و لهذا فأعداء الديموقراطية و سياسيو الريع و أصحاب الشكارات يهابون مثل هذه المبادرات و يرون فيها مساسا بغنائمهم المكتسبة و تهديدا لتموقهم الذي هم فيه بفضل الأموال و ليس الأفكار و المشاريع الطموحة التي ستنتقل بالمغرب إلى ميتوى آخر يجمع ما بين الديموقراطية السياسية و الاقلاع الاقتصادي الديموقراطي الذي يرتكز على الكفاءات و الأفكار و الابتكار . و ليس على المال و المحسوبية و الزبونية و الريع .
و لهذا فقد جاء الخطاب الملكي ليعيد الأمور إلى سكتها الصحيحة و أن يعلم الذين يتسترون على كل ما من شأنه أن يضرب مصالحهم ، أن للملك عيون تراقب و ترصد كل صغيرة و كبيرة ، و ما عدم منع وقفة مغاربة العالم بالرباط رغم أنها لم تحصل على ترخيص إلا رسالة غير مباشرة لمجلس الجالية و مصالح الخارجية على أن الملك غير راض عن عملهما تجاه مغاربة العالم و أنهما مقصرين في عملهما ، فهل يلتقطان الإشارة ؟
و أخيرا ، يجب تفعيل فصول الدستور التي توصي بالاهتمام بالجالية المغربية و تحث على اشراكهم في العمل السياسي و المؤسساتي لما فيه الخير لهذا البلد و الاستفادة من تجاربهم التي راكموها .

