لوموند : حين تتحول الصحافة إلى بروباغندا مقنّعة

المهاجر

من يقرأ سلسلة المقالات الأخيرة التي نشرتها جريدة لوموند الفرنسية حول الملك محمد السادس وولي العهد الأمير مولاي الحسن، يخرج بانطباع واضح: لسنا أمام تحقيق صحفي محايد، بل أمام سردية مشحونة بأحكام مسبقة، لا تخلو من الانتقائية والانحياز، بل وتخدم، من حيث لا تقول، أجندات سياسية قديمة جديدة.
1. خطاب متكرر ومُستهلك

لوموند لم تأت بجديد. أجواء نهاية حكم، إصلاحات ناقصة، غياب الملك، اسطوة المخزن كلها عناوين معادة منذ عقدين، يعاد تدويرها بين الحين والآخر. وكأن المغرب جامد، لا يتغير، ولا يعرف إلا هذه الكليشيهات الجاهزة. هذه ليست صحافة تحقيق، بل صحافة كسل ذهني تعتمد على ما يُكتب منذ زمن الحسن الثاني.

2. انتقائية في الرؤية
تتجاهل الجريدة قصداً معطيات ملموسة:
تحولات البنية التحتية الكبرى (طرق، موانئ، قطارات فائقة السرعة).
الدور الاستراتيجي للمغرب في الاستقرار الأمني والهجرة في المتوسط.
الانفتاح الديني المعتدل الذي جعل المغرب مرجعاً قارياً في محاربة التطرف.
لكن لوموند لا ترى إلا نصف الكأس الفارغ. لماذا؟ لأن النقد الممنهج يعطي مادة مثيرة للقارئ الفرنسي الباحث عن إثارة شرقية
3. خلفية استعمارية لا تُمحى عندما تُحاضر الصحافة الفرنسية عن الديمقراطية الناقصة في المغرب، فهي تنسى تاريخها القريب: دعم باريس للأنظمة السلطوية في إفريقيا، صفقات الأسلحة، والسكوت المصلحي عن انتهاكات دول أخرى. المغرب يُنتقد لأنه يجرؤ على تنويع شركائه (الصين، روسيا، أمريكا، الخليج) ويخرج من الوصاية الفرنسية.
4. ازدواجية في المعايير
لوموند تنتقد غياب الملك أحياناً عن المشهد، لكنها في المقابل تُهاجم حضوره الدائم عندما يكون في الواجهة. تنتقد سطوة المخزن، لكنها تغض الطرف عن سطوة الإليزيه حين يتحكم في الإعلام والسياسة الفرنسية. أي مصداقية تبقى إذن؟
5. الحقيقة المغيّبة
ما لا تريد الجريدة الاعتراف به هو أن المغرب يعيش دينامية انتقال هادئة: ملك حاضر في الملفات الكبرى، وولي عهد يتدرج في التكوين السياسي والعسكري، ونظام ملكي دستوري يوازن بين الاستقرار والتغيير التدريجي. هذا لا يوافق الصورة الدراماتيكية التي تبحث عنها الصحافة الغربية لزيادة نسب القراءة.
جريدة لوموند لم تُنجز تحقيقاً استقصائياً بقدر ما كتبت رواية سياسية مشحونة بالإسقاطات الفرنسية.
نقدها لا يخيف، لأنه قائم على مقارنات سطحية وصور نمطية.
وإذا كان هدفها التشويش على شرعية المؤسسة الملكية، فهي تزيدها رسوخاً، لأن القارئ المغربي يعرف جيداً أن المعركة ليست بين ملك وشعب، بل بين سيادة وطنية ووصاية استعمارية انتهت صلاحيتها.
د.سعيد عثماني

الإشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات ذات صلة

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك قم بتعطيل مانع الإعلانات AdBlock حتى تستطيع تصفح الأخبار الحصرية على موقعنا المهاجر وشكرا على دعمكم لنا.