زمن فوكس والمغاربة: من التحريض إلى المطاردة الرمزية

المهاجر:مقال رأي

بقلم: د. سعيدالعثماني .

لم يعد خطاب الإقصاء في إسبانيا مجرّد زلّة شعبوية، بل تحوّل إلى مشروع متكامل له لغته، ورموزه، وأعداؤه المفضلون. في قلب هذا المشروع، يقف حزب فوكس، مشهّرًا سلاح الهُوية النقية، مستهدفًا به المهاجرين بشكل عام، والمغاربة على وجه التخصيص.
المغربي لم يعد يُرى كجار، أو زميل عمل، أو مواطن يسعى لتربية أولاده بكرامة، بل يُقدَّم يوميًا في خطاب فوكس كتهديد بنيوي، كخلل ديموغرافي، كغزو ثقافي. هو صورة أكثر من كونه شخصًا. هدف أساسي في معركة رمزية تسعى لإعادة تعريف الإسبانية على قاعدة الإقصاء.
الحزب يعد بطرد جميع المهاجرين إن حاز السلطة. لكنه لا يكتفي بوعده، بل يُحرض ضمنًا على أفعال تتجاوز الصندوق الانتخابي: تحريض على الاحتقار، على التنميط، على العنف المباشر، بل على ما يشبه صيدًا بشريًا في بعض الأحياء والبلدات، حيث يُستباح الجسد المغربي بغطاء أيديولوجي.
هذا ليس خيالًا أدبيًا، بل واقع تُوثّقه تقارير منظمات، ويلاحظه كل من يعيش في الهامش: المهاجرون لم يعودوا ضيوفًا متعبين، بل خصومًا محتملين، يُنظر إليهم بشكّ، ويُحمّلون جماعيًا نتائج أفعال فردية.
لكن من يُدافع عن المهاجر حين تصمت السياسة؟
هنا يبرز المثقف، لا بوصفه حالمًا منعزلاً، بل كشاهد ومقاوم.
ألم يقل فيديو غارثيا لوركا: أكثر الأشياء قذارة هو أن تُقمع الكلمة التي تقول الحقيقة؟
لوركا، ابن غرناطة، لم يُقتل فقط برصاصات الحرب الأهلية، بل لأنه كان يرى في الآخر المختلف ما يكمل الوطن لا ما ينقضه. وقف مع الغجري، مع المثلي، مع المهمّش، مع الخارج من السردية الرسمية. ولو عاش في هذا الزمن، لكان في الصف الأول مع المهاجر المغربي، لا شك في ذلك.
وكذلك ميغيل دي أونامونو، في وجه جنرالات فرانكو، حين صرخ من أعماقه: أن تنتصر لا يعني أنك على حق.
ما أحوجنا اليوم لهذه الروح: أن نقولها بوضوح، حتى لو وقف حولنا صمت المؤسسات، ونفاق الإعلام، ومسايرة الأحزاب.
المغاربة ليسوا عابرين، ولا طارئين
ما لا يريد خطاب فوكس الاعتراف به، هو أن المغاربة ليسوا مجرّد وافدين. هم جزء من الجغرافيا الاقتصادية، من نسيج المدارس، من وجدان الشوارع.
هم عمّال في حقول الجنوب، طلاب في جامعات مدريد، آباء في برشلونة، وأمهات في فالنسيا، يحملون معهم لغة الكدح، لا ثقافة الفوضى.
لكن حين تُقدَّم فئة بشرية كاملة، بلهجة واحدة، كلغم موقوت، فإننا لا نكون أمام خطاب يميني، بل أمام إحياء للخطاب الطردي، كما عرفته أوروبا في لحظاتها المعتمة.
خطاب يُنذر بنقل الصراع من السياسة إلى الشارع، من الكلمات إلى الحجارة.
فماذا بعد؟
إن استهداف المغاربة بهذا الشكل المنهجي، لا يُهددهم وحدهم، بل يهزّ أسس الدولة الديمقراطية نفسها. يجعل من الهُوية قنبلة موقوتة، ومن المواطنة صفقة مشروطة، ومن الحق ترفًا ممنوحًا لا مكتسبًا.
وإذا لم يتحرّك الضميرالإسباني ثقافيًا، أكاديميًا، إعلاميًا لمواجهة هذا الانجراف، فإننا نخاطر بأن تستفيق البلاد على واقع جديد: واقع لا يتسع لغير صورة واحدة، وتاريخ واحد، وعرق واحد.
لكن هذا لم يكن يومًا وجه إسبانيا الحقيقي. فحتى في زمن الجرح، كان هناك من يكتب عن العدل، ومن يغنّي للكرامة، ومن يرى في الإنسان ما يتجاوز جواز السفر.
لهؤلاء نكتب، ومعهم نقول:
لا، لن نُصنّف.
ولا، لن نصمت.
لأن الاعتراف لا يُمنح لمن يسكت،
بل لمن يصرّ على قول الحقيقة، ولو وسط العاصفة.

الإشتراك
نبّهني عن
guest

1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويتًا
Inline Feedbacks
View all comments
د مها فؤاد
د مها فؤاد
8 شهور

💫 اللهم اجعل من علمكم نورًا، ومن عطائكم سُبلًا للنهضة، ومنمسيرتكم نورًا على نور.

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك قم بتعطيل مانع الإعلانات AdBlock حتى تستطيع تصفح الأخبار الحصرية على موقعنا المهاجر وشكرا على دعمكم لنا.