المهاجر:31/10/2026
تحليل — سفيان المرزوقي
تستفيد روسيا من اتفاق الصيد البحري مع المغرب، الذي يتيح لأسطولها استغلال الموارد السمكية في المياه الأطلسية، بما يشمل مياه الصحراء، لكنها تستخدم حق النقض داخل مجلس الأمن لإسقاط مشروع قرار يدعم مسار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. هذه المفارقة تطرح سؤالاً مشروعاً: كيف تتعامل موسكو مع الرباط شريكاً لتنظيم الانتفاع بالثروات البحرية، ثم تعرقل المسار السياسي الذي تعتبره المملكة أساساً لإنهاء النزاع؟ وقد تناولت تقارير صحافية شمول التعاون البحري المغربي الروسي مياه الأقاليم الصحراوية.
ازدادت حدة هذا السؤال بعد تصويت مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر، عندما حظي المشروع الأمريكي بتأييد أحد عشر عضواً، مقابل امتناع ثلاث دول، فيما صوّتت روسيا وحدها ضده مستخدمة الفيتو. وبذلك، لم يكن المشروع يفتقر إلى أغلبية داعمة، بل اصطدم بامتياز تملكه دولة دائمة العضوية، مكّنها من منع اعتماده رغم التأييد الواسع له داخل المجلس.
المغرب شريك حين يتعلق الأمر بالثروة البحرية
التعاون في الصيد بين الرباط وموسكو علاقة منظمة باتفاقيات والتزامات وحصص. وقد وقّع الطرفان اتفاقاً جديداً في 17 أكتوبر 2025، فيما حددت الوثائق الروسية حصة السنة الأولى في 54 ألف طن، ضمن المجال الأطلسي الذي يمارس فيه المغرب حقوقاً سيادية .
سياسياً، يحمل هذا التعامل دلالة واضحة: موسكو تتوجه إلى السلطات المغربية للحصول على حق الولوج إلى الموارد البحرية، وتقبل التعامل معها لتنظيم نشاط أسطولها. وعندما تتحول هذه العلاقة إلى منافع اقتصادية، فإن روسيا تتعامل بواقعية مع السلطة التي تدير المجال وتحدد شروط استغلاله.
من هنا ينشأ جوهر الاعتراض على موقفها: إذا كانت الرباط شريكاً مقبولاً لتنظيم الصيد والاستفادة من الثروة، فلماذا لا ينعكس هذا التعاون في موقف دبلوماسي يساعد على تجاوز النزاع الذي يحيط بالمجال نفسه؟
ماذا وراء التبرير الروسي؟
تقول موسكو إن اعتراضها يتعلق بمضمون المشروع الأمريكي، معتبرة أنه يوجّه التسوية نحو خيار لا يأخذ بموقفي المغرب والبوليساريو على نحو متوازن. وقد دافعت في تفسير تصويتها عن ضرورة التوصل إلى حل مقبول من الطرفين، ثم قدمت مشروعاً بديلاً للحفاظ على ولاية المينورسو في إطارها القائم.
هذا هو التبرير الروسي المعلن، لكنه لا ينهي النقاش حول نتائج الفيتو. فالتمسك بالتوافق يطرح بدوره سؤالاً عن كيفية تحقيقه، وعن البديل العملي عندما يستمر الخلاف وتتعطل المفاوضات.
روسيا مطالبة بأن توضح كيف يمكن لموقفها أن ينتج تقدماً فعلياً. فرفض مسار تدعمه أغلبية المجلس، مع الاكتفاء بالدفاع عن استمرار الإطار القائم، يفتح الباب أمام انتقاد مفاده أن موسكو تحمي استمرار العملية أكثر مما تساعد على الوصول إلى نتيجتها.
ومن الدقة القول إن الفيتو عرقل مشروعاً يدفع نحو تسوية سياسية؛ إذ لم يكن اعتماد النص وحده ضمانة لإنهاء النزاع فوراً. لكن هذه الدقة لا تقلل من المسؤولية السياسية المترتبة على إسقاطه.
مصالح اقتصادية منفصلة عن الالتزامات السياسية
يمكن فهم السلوك الروسي باعتباره محاولة للفصل بين ملفات العلاقة مع المغرب: تعاون اقتصادي حين توجد منفعة مباشرة، وموقف دبلوماسي تحكمه اعتبارات أخرى داخل مجلس الأمن. وهذا تفسير تحليلي للسلوك، وليس إثباتاً لدافع وحيد وراءه.
غير أن هذا الفصل يصبح مكلفاً للثقة بين الشركاء. فالمغرب ينظر إلى قضية الصحراء باعتبارها أولوية وطنية مركزية، ومن الطبيعي أن يقيس علاقاته أيضاً بمدى مراعاة شركائه لهذه الأولوية.
ولا يكفي، في هذا السياق، توسيع التعاون الاقتصادي للإيحاء بوجود تقارب استراتيجي، بينما يكشف التصويت في الملفات الحاسمة حدود ذلك التقارب. فحصيلة العلاقة تشمل الاتفاقيات التي تُوقَّع، كما تشمل القرارات التي تُعطَّل.
الحجة المغربية أقوى حين تقوم على الاتساق
لا يحتاج نقد موسكو إلى اعتبار اتفاقية الصيد اعترافاً روسياً رسمياً ونهائياً بالسيادة المغربية؛ فهذا استنتاج قانوني لا يترتب تلقائياً على توقيع اتفاق اقتصادي.
الحجة الأقوى سياسية: روسيا تستفيد من تعاون تنظمه السلطات المغربية في مياه الصحراء، لكنها ترفض دعم المسار الذي تقترحه الرباط لحسم النزاع. وبذلك، تقبل نتائج الإدارة المغربية عندما تنتج فرصاً اقتصادية، بينما تحجم عن مساندة ترجمتها إلى تسوية سياسية مستقرة.
هذه الفجوة هي التي تجعل الحديث عن ازدواجية المواقف مشروعاً، وتستدعي من موسكو تفسيراً يتجاوز العبارات العامة عن التوازن والتوافق.
شراكة تستحق التقييم
يفرض الفيتو الروسي على الرباط تقييم العلاقة بميزان المصالح المتبادلة، بما في ذلك شروط التعاون البحري ومردوده الاقتصادي والسياسي. ولا تعني المراجعة بالضرورة قطع العلاقات أو إلغاء الاتفاقيات؛ إنها تعني أن الامتيازات الممنوحة للشركاء ينبغي أن تخضع لتقييم مستمر، وأن التعاون الاقتصادي لا يعوّض غياب الثقة في القضايا الاستراتيجية.
السؤال الموجّه إلى موسكو واضح: ما حدود الشراكة التي تريدها مع المغرب؟ فإذا كانت ترغب في توسيع حضورها الاقتصادي والاستفادة من موارده البحرية، فإن عليها أن تتوقع مساءلة مغربية صريحة لمواقفها داخل مجلس الأمن.
فالرباط تمنح فرصاً للتعاون، ومن حقها أن تسأل عمّا تحققه هذه الشراكة من توازن واحترام لمصالحها الأساسية. وهذه هي المسألة التي وضعها الفيتو الروسي في صلب النقاش.

