الملكية المغربية….حكمة التاريخ وضمان للاستقرار.

المهاجر
بقلم الدكتور سعيد عثماني دكتور في القانون وباحث في العلوم الامنية.
في لحظة تاريخية استثنائية، وبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الرباط عقب الانتصار الدبلوماسي الكبير الذي حققه المغرب في مجلس الأمن، جاء الخطاب الملكي لجلالة الملك محمد السادس مختلفا عن كل التوقعات. كان الجميع ينتظر خطابا منتشيا بالنصر، مليئا بلغة الفخر والانتصار، لكن الملك تحدث بلغة أخرى: لغة الهدوء والحلم والرؤية البعيدة. وهنا يكمن جوهر القيادة الحقيقية.
لقد أثبت القرار الأممي أن المجتمع الدولي بات مقتنعا بأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الحل الواقعي والنهائي لقضية الصحراء. ومع ذلك، لم يقع جلالة الملك في فخ الغرور السياسي، بل رفع الخطاب إلى مستوى الدولة الراسخة، دولة تعرف أن النصر لا يعني الإقصاء، وأن السيادة لا تُترجم بالخطابات الحماسية بل بالتوازن والعقلانية.
هذا الخطاب لم يكن احتفالا بالنصر، بل درسا في فن الحكم. خطاب رجل يعرف أن السياسة ليست ميدانا للانتقام، بل فنا لإدارة المستقبل. دعوته إلى السلام والتعاون مع كل الأطراف، حتى مع من حاولوا مرارا كسر إرادة المغرب، لم تكن ضعفا، بل قمة القوة. إنها رسالة إلى الداخل والخارج بأن المغرب بلد يربح بالحنكة لا بالضجيج، وبالحكمة لا بالاستفزاز.
وفي المقابل، ما زال النظام الجزائري يعيش في زمن آخر، يصرخ في الفراغ ويردد شعارات فقدت معناها منذ عقود. بينما العالم بأسره، من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي، يمد يده للمغرب، تظل الجزائر غارقة في إنكار الواقع، تكتب المقالات العاطفية وتتهم الآخرين لتغطي فشلها. لكن التاريخ لا ينتظر من يتخلف عنه، والعالم تغير، ولم يعد يصغي إلى من يصر على العيش في الماضي.
إن هذا الحدث الدبلوماسي وما تبعه من خطاب ملكي عميق جعلني أدرك قيمة ما قرأته يوما في كتاب الأمير لنيقولا ماكيافيلي، وأيضا ما تعلمته من العقد الاجتماعي لجان جاك روسو. كنت أظن أن نظرية الحكم الرشيد والقيادة المتبصرة مجرد أفكار فلسفية جميلة، حتى رأيت تجسيدها الواقعي في شخص الملك محمد السادس. عندها فقط أيقنت أن الملكية ليست مجرد نظام سياسي، بل هي الضامن الكبير للاستقرار، والحصن الذي يحمي الوطن من الانقسام والفوضى.
وشخصيا، كان هذا الخطاب بالنسبة لي درسا في الدبلوماسية الراقية، وفي فن إدارة الأزمات بعقل الدولة لا بعاطفة الجماهير. إنه نموذج يجب أن يُدرّس مستقبلا في كليات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ومادة أساسية لتأطير الطلبة وتربيتهم على التفكير الاستراتيجي، وفهم توازنات القوة، وصياغة المواقف بذكاء ومسؤولية. فالخطاب الملكي ليس فقط توجيها سياسيا، بل مرجع في فن القيادة الهادئة، ودليل عملي على ما تعنيه الحكمة حين تتجسد في رأس الدولة.
لقد عرف المغرب عبر تاريخه أن قوته ليست في موارده، بل في تماسك عرشه وشعبه. من خلال هذا الخطاب، أكد الملك محمد السادس أن القيادة ليست أن تتكلم بصوت عال، بل أن تسمع صوت العقل وسط ضجيج العالم. وهنا تتجلى عظمة الدولة المغربية، ملك يحسن الإصغاء إلى نبض شعبه، وشعب يدرك أن استقرار وطنه يبدأ من ثقته في ملكه.
إن النصر الحقيقي ليس في قرار أممي ولا في تصويت دولي، بل في أن نملك قائدا يفكر بعين الدولة لا بعين اللحظة، ويقود الوطن نحو المستقبل بخطى ثابتة وضمير حي. وفي زمن تتساقط فيه الأنظمة وتتشظى الشعوب، تظل الملكية المغربية هي الصخرة التي تتكسر عليها الأمواج، والضامن الأكبر لاستمرار الدولة وكرامة المواطن.



