المغرب يرسم المرحلة المقبلة… هل إسبانيا مستعدة لشراكة تتجاوز الهجرة؟

المهاجر | تحليل
يفرض تطور المغرب سؤالًا متجددًا على علاقته بإسبانيا: كيف يمكن تحويل القرب الجغرافي والمصالح المتداخلة إلى شراكة طويلة المدى، قادرة على استيعاب المنافسة وتجاوز الخلافات؟ فالعلاقة بين البلدين لا تُختزل في مراقبة الحدود، كما أن مستقبلها لا يمكن أن يبقى رهين ردود الفعل عند كل أزمة.
ويمنح الإعلان عن وثيقة مغربية موجهة إلى الشركاء مدخلًا لهذا النقاش. ففي خطاب افتتاح البرلمان بتاريخ 9 أكتوبر 2026، أعلن الملك محمد السادس أن المغرب سيقدم وثيقة تعرض رؤية استراتيجية عملية، تقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وربط الخطاب هذا التوجه بحدود النموذج القائم للتعاون في مجال الهجرة، مع التأكيد على سيادة قرار الشراكة وضرورة الاحترام المتبادل.
من إدارة الأزمات إلى بناء المصالح
تسمح هذه التوجهات بقراءة تحليلية مفادها أن الرباط تريد توسيع النقاش حول التعاون، بما يمنحه أفقًا يتجاوز التدبير الأمني المباشر. غير أن الإعلان عن الوثيقة لا يكفي للجزم بتفاصيلها أو بآليات تنفيذها؛ فالحديث عن القطاعات المحتملة يظل استشرافًا إلى أن تتضح مضامينها.
بالنسبة لإسبانيا، يطرح ذلك سؤال التخطيط: أي علاقة تريد بناءها مع المغرب خلال السنوات المقبلة؟ هل تستثمر في مشاريع تستمر رغم الاختلافات السياسية، وكيف توفق بين مصالحها الخاصة وبين طموحات جارها؟
لا يعني توسيع المصالح المشتركة اختفاء التنافس. فتطور الموانئ والصناعة والخدمات قد يخلق فرصًا للتكامل، وقد يزيد التنافس على الاستثمارات والأسواق. والرهان هو إدارة هذا التداخل بقواعد واضحة، تحفظ قدرة كل طرف على الدفاع عن مصالحه وتوفر للمقاولات رؤية أكثر استقرارًا.
الاقتصاد والتكوين في قلب النقاش
توجد أرضية مؤسساتية يمكن البناء عليها. فقد نص الإعلان المشترك المغربي الإسباني الصادر في 4 ديسمبر 2025 على تعزيز الاستثمار، والتعاون الصناعي، والابتكار، وعلى أهمية المغرب في تعاون اقتصادي ثلاثي يجمع إسبانيا والمغرب وإفريقيا.
وانطلاقًا من هذه الأرضية، يمكن تصور مشاريع تربط الاستثمار بالتكوين والبحث التطبيقي، وتشجع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الاندماج في سلاسل إنتاج مشتركة. كما تبرز الطاقة والماء والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي ضمن المجالات الممكنة للتعاون، دون اعتبار ذلك قائمة مؤكدة لمحتويات الوثيقة المرتقبة.
وسيكون معيار النجاح هو ما يصل إلى المواطن: فرص عمل أفضل، وتأهيل مهني ملائم، ومشاريع منتجة، ومردودية اقتصادية قابلة للقياس. أما الاكتفاء بالإعلانات، فيترك الشراكة عرضة للفجوة بين الطموح والنتائج.
الهجرة ملف إنساني وتنموي أيضًا
تبقى الهجرة من أكثر الملفات حساسية، لكن مناقشتها تحتاج إلى الجمع بين تدبير الحدود، واحترام الحقوق، والتعاون القضائي، وفتح آفاق اقتصادية واقعية. واختزال المهاجرين في أداة ضغط يغفل حياة الأسر ومصالح العمال والمقاولات على ضفتي المتوسط.
ومن شأن تعاون منظم في التكوين والتنقل المهني أن يساعد على ربط بعض حاجيات سوق العمل بالمهارات المتاحة، وفق الأطر القانونية المعمول بها. وبالتوازي، يظل توسيع فرص الشغل داخل المغرب عاملًا أساسيًا في منح الشباب بدائل فعلية.
وهذه مقاربة تتطلب التنسيق بين مؤسسات متعددة، لأن القرارات التي تمس التعليم والشغل والحماية الاجتماعية والتنقل لا تنتج آثارها بمعزل بعضها عن بعض.
إفريقيا توسع أفق الشراكة
يمتد النقاش كذلك إلى إفريقيا، حيث يمكن أن تلتقي مصالح البلدين في الاستثمار والبنية التحتية والتكوين. غير أن أي تعاون ثلاثي ينبغي أن يُبنى مع الدول الإفريقية المعنية، وعلى أساس أولوياتها ومنافعها، حتى تكون التنمية المشتركة ذات مضمون عملي.
وفي هذا الإطار، يطرح الوضع في الساحل تحديات تتقاطع فيها قضايا الأمن والتنمية. ويمكن للشراكة أن تجمع بين مواجهة الشبكات الإجرامية ودعم الفرص الاقتصادية، دون افتراض أن المقاربة الأمنية وحدها كافية لمعالجة أسباب عدم الاستقرار.
اختبار الاستمرارية
لكل من المغرب وإسبانيا حساباته ومصالحه، وقد تظهر بينهما خلافات جديدة. لكن قوة الشراكة تُقاس بقدرة المؤسسات على إدارة هذه الخلافات، وحماية المشاريع من التقلبات، والإبقاء على قنوات الحوار.
السؤال المطروح على مدريد والرباط، إذن، هو كيف تتحول الرؤية إلى التزامات ومشاريع وآليات متابعة. فالمغرب الذي يطور قدراته يحتاج إلى شركاء يتفاعلون مع هذا التحول، وإسبانيا أمام فرصة لصياغة علاقة تستثمر في المستقبل وتستوعب تعقيداته.